علي بن أحمد المهائمي

603

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( فإن المثلين ضدان ) ، ومقتضى الضدية التباعد وإن كان مقتضى المناسبة التقريب ، فيصطحبان بالمناسبة ، ويتباعدان بالضدية ، والتسخير تذليل موجب للعداوة فتغلب هناك جهة الضدية ، فليس التسخير من المثلية ، وقد تقرر أنه برفعة الدرجة ( فيسخره الأرفع في المنزلة ) ، ولو كانت رفعته ( بالمال والجاه ) الذي لا يحتاج إليه الإنسان من حيث هو إنسان ، ولكن تحصل لصاحبه الرفعة الإنسانية إذ يصير محتاجا إليه ، فيكون تسخيره ( بإنسانيته ) لا بنفس المال والجاه كاللآلئ ، واليواقيت المطروحة في الفلاة ، ( ويتسخر له ذلك الآخر إما خوفا ) من الضرر ، ( أو طمعا ) في النفع ( من حيوانيته ) التي يلحقها الضرر ، والنفع الدنيوي ( إلا من إنسانيته ) ، وإن كانت متعلق النفع والضر ، لكنهما ليسا من المال والجاه بل من الأمور العالية ، ( فما سخر له ) في صورة تسخير الإنسان لمثله ( من هو مثله ) وهو الإنسان ، بل إنما يتسخر لإنسانيته أحدهما حيوانية الآخر ، وكيف يتسخر الإنسان لمثله مع أن الحيوان لا يتسخر لمثله . [ ألا ترى ما بين البهائم من التّحريش ؛ لأنّها أمثال ؟ فالمثلان ضدّان ، ولذلك قال : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزخرف : 32 ] ، فما هو معه في درجته ، فوقع التّسخير من أجل الدّرجات ، والتّسخير على قسمين : تسخير مراد للمسخّر ، اسم فاعل قاهر في تسخيره لهذا الشّخص المسخّر كتسخير السّيّد لعبده ، وإن كان مثله في الإنسانيّة ، وكتسخير السّلطان لرعاياه ، وإن كانوا أمثالا له في الإنسانيّة فيسخّرهم بالدّرجة ، والقسم الآخر تسخير بالحال كتسخير الرّعايا للملك القائم بأمرهم في الذّبّ عنهم وحمايتهم وقتال من عاداهم وحفظه أموالهم وأنفسهم عليهم ، وهذا كلّه تسخير بالحال من الرّعايا يسخّرون بذلك ملكهم ، ويسمّى على الحقيقة تسخير المرتبة ] . ( ألا ترى ما بين البهائم من التحريش ؛ لأنها أمثال ) لا لأمر آخر ، ( فالمثلان ) إذا لم يكن منهما موجب تسخير ( ضدان ) لا يمكن أن ينقاد أحدهما للآخر أبدا ؛ ( ولذلك ) أي : ولكون المثلين ضدين ، والأشياء إما أمثال أو أضداد ( قال تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الأنعام : 165 ] ؛ لتعارض موجب التسخير موجب الإبائية ، وإذا ارتفعت الدرجات لم تبق المثلية المانعة من الانقياد ؛ لأنه وإن كان مثله في الإنسانية ( فما هو معه في درجته ) ، فزالت المثلية المانعة ، ( فوقع التسخير من أجل الدرجات ) المقتضية له كأنه لا تعارض بينهما حينئذ ، ووقوع التسخير من أجل الدرجات لا يستلزم كون الأرفع هو المسخر اسم الفاعل أبدا ، بل قد يكون بالعكس ، وذلك أن ( التسخير على قسمين تسخير مراد للمسخر اسم فاعل ) ، واسم الفاعل فيه أرفع درجة ؛ لأنه ( قاهر في تسخيره لهذا الشخص المسخر ) اسم المفعول ، وإن كان هذا المسخر له فضيلة أخرى يرفع بها على